17 مليار شيكل في الخزائن … حين تتحول السيولة إلى أزمة سيادة اقتصادية
بقلم: د. عماد علي السعدي
“ليس نقص المال هو أخطر ما يواجه الاقتصاد الفلسطيني اليوم …
بل أن يتحول المال نفسه إلى أزمة”، هذه ليست عبارة إنشائية، بل وصفٌ دقيق لواحدة من أخطر التحديات التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني في هذه المرحلة.
ففي الوقت الذي تبذل فيه الاقتصادات جهودًا لزيادة السيولة وتحفيز الاستثمار، يعيش الاقتصاد الفلسطيني مفارقة نادرة؛ إذ تتكدس الأموال داخل خزائن المصارف حتى تجاوزت قيمتها 17 مليار شيكل، بينما لا تسمح القيود المفروضة على شحن فائض الشيكل إلا بإخراج نحو 4.5 مليار شيكل كل ثلاثة أشهر، الأمر الذي حول وفرة النقد من مصدر قوة إلى مصدر قلق اقتصادي.
قد يظن البعض أن هذه أزمة مصرفية تخص البنوك وحدها، لكن الحقيقة أنها أزمة تمس كل مواطن فلسطيني، فهي تؤثر في التاجر الذي يعتمد على الإيداعات اليومية، وفي المستثمر الذي يحتاج إلى دورة نقدية مستقرة، وفي الشركات التي تدير التزاماتها المالية، وفي الاقتصاد الوطني بأسره.
ليست أزمة بنوك…
بل أزمة نظام نقديمن المهم منذ البداية تصحيح مفهوم شائع؛ فالأزمة الحالية لا تعكس ضعفًا في الجهاز المصرفي الفلسطيني، ولا قصورًا في أداء سلطة النقد الفلسطينية أو جمعية البنوك في فلسطين، بل هي نتيجة مباشرة لقيود مفروضة على حركة فائض الشيكل، في ظل اقتصاد يعتمد على عملة لا يصدرها ولا يتحكم في تدفقها عبر الحدود.
لقد أثبت القطاع المصرفي الفلسطيني، على مدار عقود، متانةً عالية وكفاءةً تشغيليةً متميزة، حتى في أصعب الظروف السياسية والاقتصادية، كما واصلت سلطة النقد الفلسطينية أداء دورها الرقابي والتنظيمي للحفاظ على الاستقرار المالي، بينما اضطلعت جمعية البنوك في فلسطين بدورٍ محوري في تمثيل المصارف العاملة في فلسطين، وتوحيد مواقفها، والتواصل مع مختلف الجهات المحلية والدولية لإيجاد حلول لهذه الأزمة.
كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟
يعتمد الاقتصاد الفلسطيني على الشيكل بوصفه العملة الرئيسة للتداول. وتدخل كميات كبيرة منه يوميًا إلى السوق الفلسطينية نتيجة التبادل التجاري ورواتب العمال الفلسطينيين العاملين داخل إسرائيل، وفي الظروف الطبيعية تقوم المصارف بتجميع فائض الشيكل وإعادة شحنه إلى البنوك الإسرائيلية، إلا أن القيود المفروضة على هذه العملية أدت إلى اختلالٍ واضح بين حجم النقد الداخل إلى السوق وحجم النقد الذي يُسمح بإخراجه، فتراكمت الكميات داخل خزائن المصارف بصورة متسارعة.
اليوم ومع تجاوز قيمة النقد المتراكم 17 مليار شيكل، أصبحت الأزمة تمثل تحديًا تشغيليًا وماليًا حقيقيًا، يفرض تكاليف إضافية للتخزين والحماية والنقل، ويؤثر في كفاءة إدارة السيولة داخل الجهاز المصرفي.
عندما تصبح السيولة عبئًافي علم الاقتصاد، تُعد السيولة أحد أهم عوامل النمو، لكن بشرط أن تكون متحركة، أما عندما تبقى الأموال حبيسة الخزائن، فإنها تتحول إلى رأس مال معطل، وكل شيكل لا يدور في الاقتصاد يعني فرصة استثمار ضائعة، أو مشروعًا مؤجلًا، أو نشاطًا اقتصاديًا أقل كفاءة، كما أن الاحتفاظ بكميات ضخمة من النقد يرفع تكاليف التشغيل، ويزيد المخاطر الأمنية، ويحد من مرونة إدارة السيولة، رغم استمرار المصارف في الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء.
أرقام تستحق التوقف
حين نتحدث عن أكثر من 17 مليار شيكل متراكمة داخل خزائن المصارف، فإننا لا نتحدث عن رقم مجرد، بل عن سيولة تعادل مليارات الدولارات بقيت خارج الدورة الاقتصادية الطبيعية،
وفي المقابل، فإن الكميات التي يُسمح بشحنها لا تتجاوز 4.5 مليار شيكل كل ثلاثة أشهر، وهو ما يخلق فجوة متزايدة بين التدفقات الداخلة والقدرة على تصريف الفائض، فتتفاقم الأزمة مع مرور الوقت، وبلغة الاقتصاد، فإن المشكلة ليست في نقص السيولة… بل في اختناقها.
جهود وطنية تستحق التقديرمن الإنصاف التأكيد أن سلطة النقد الفلسطينية وجمعية البنوك في فلسطين لم تقفا موقف المتفرج أمام هذه الأزمة، فقد عملت سلطة النقد على إدارة المخاطر والحفاظ على الاستقرار المالي، بينما كثفت جمعية البنوك اتصالاتها مع المؤسسات المالية الدولية، بما في ذلك البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إضافة إلى شركاء دوليين آخرين، من أجل لفت الانتباه إلى خطورة الأزمة والسعي لإيجاد حلول عملية تضمن استمرار عمل القطاع المصرفي بصورة طبيعية، وتعكس هذه الجهود إدراكًا واضحًا بأن القضية لم تعد مصرفية فقط، بل أصبحت قضية تمس استقرار الاقتصاد الفلسطيني بأكمله.
أين يجب أن تتجه الجهود؟
من المؤسف أن تتجه بعض الانتقادات أحيانًا نحو المصارف الفلسطينية، بينما تشير الوقائع إلى أن أصل المشكلة يقع خارج نطاق صلاحياتها، فالقطاع المصرفي لا يتحكم في سقوف شحن فائض الشيكل، ولا يملك صلاحية تغيير الإجراءات المنظمة لذلك؛ ولهذا فإن أي جهد رسمي أو إعلامي أو شعبي يسعى إلى معالجة هذه الأزمة ينبغي أن يركز على إزالة القيود المفروضة على حركة فائض الشيكل، باعتبارها السبب الرئيس لتفاقم المشكلة، بدلاً من تحميل المؤسسات الفلسطينية مسؤولية أزمة تعمل يوميًا على احتواء آثارها.
إن توجيه الضغط نحو معالجة السبب الحقيقي للأزمة أكثر جدوى من توجيهه إلى مؤسسات وطنية تبذل جهودًا كبيرة للحفاظ على الاستقرار المالي في ظروف استثنائية.
ماذا بعد؟
الأزمة الحالية تحمل رسالة مهمة؛ وهي أن الاقتصاد الذي يعتمد على عملة لا يملك إصدارها أو إدارة حركتها، سيظل معرضًا لمثل هذه الاختناقات،
ومن هنا، فإن الحلول ينبغي أن تسير في مسارين متوازيين، أما المسار الأول فهو الاستمرار في الجهود السياسية والفنية لإزالة القيود المفروضة على شحن فائض الشيكل وضمان انسياب الدورة النقدية بصورة طبيعية، والثاني هو التوسع في وسائل الدفع الإلكتروني وتعزيز استخدام العملات الأخرى في بعض المعاملات وتطوير البنية المالية بما يقلل الاعتماد على النقد الورقي.
لكن هذه الإجراءات، على أهميتها، تبقى حلولًا مساندة، أما الحل الجذري فيكمن في تمكين الاقتصاد الفلسطيني من إدارة أدواته النقدية بصورة أكثر استقلالًا.
كلمة أخيرة
تكشف أزمة تكدس الشيكل حقيقة اقتصادية لا يجوز تجاهلها؛ وهي أن قوة القطاع المصرفي وحدها مهما بلغت لا تكفي إذا كانت البيئة التي يعمل فيها تفرض عليه قيودًا تتجاوز قدرته على المعالجة، ولقد أثبتت سلطة النقد الفلسطينية وجمعية البنوك في فلسطين والقطاع المصرفي الفلسطيني كفاءة عالية في إدارة الأزمة والحد من آثارها، لكن استمرار تراكم النقد يؤكد أن المشكلة ليست في كفاءة الإدارة وإنما في القيود التي تعيق الحركة الطبيعية للأموال، فالاقتصادات لا تُقاس فقط بحجم ما تملكه من سيولة، بل بقدرتها على إدارة تلك السيولة بحرية وكفاءة، وعندما تصبح العملة المتداولة عبئًا على الاقتصاد بدلًا من أن تكون محركًا له، فإن القضية لم تعد أزمة نقدية عابرة، بل أصبحت قضية سيادة اقتصادية تستحق أن تكون في صدارة أولويات صانع القرار، وأن تحظى باهتمام الرأي العام، لأن استقرار النظام المالي الفلسطيني ليس مصلحة للقطاع المصرفي وحده، بل مصلحة وطنية تمس مستقبل الاقتصاد الفلسطيني بأكمله.
#شبكة إرادة الإعلامية .
